ابراهيم بن عمر البقاعي

107

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

أسفل سافلين في حد النوس وهو التردد لم يرتقوا إلى سن الإيمان لا يَعْلَمُونَ * أي لا يتجدد لهم علم لما لهم من النوس والتردد والسفول عن أوج العقل إلى حضيض الجهل ، فهم واقفون مع المحسوسات ، لا يلوح لهم ذلك مع ما له من الظهور لتظهر قدرتنا ويتحقق اسمنا الباطن كما تحقق الظاهر عند من هديناه لعلم ذلك . ولما دل على قدرته على الإعادة بهذا الدليل الخاص الذي تقديره : فاللّه الذي ابتدأ خلقكم من الأرض على هذا الوجه قادر على إعادتكم ، عطف عليه دليلا آخر جامعا فقال تعالى : وَلِلَّهِ أي الملك الأعظم وحده مُلْكُ السَّماواتِ كلها وَالْأَرْضِ التي ابتدأكم منها ، ومن تصرف في ملكه بشيء من الأشياء ، كان قادرا على مثله ما دام ملكا . ولما كان التقدير : له ملك ذلك أبدا ، فهو يفعل فيه اليوم ما تشاهدون مع رفع هذا وخفض هذا ، فلو أن الناس سلموا لقضائه لوصلوا إلى جميع ما وصلوا إليه بالبغي والعدوان ، فإنه لا يخرج شيء عن أمره ولكن أكثر الناس اليوم في ريبهم يترددون ، بنى عليه قوله تعالى : وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أي توجد وتتحقق تحقق القائم الذي هو على كمال تمكنه وتمام أمره الناهض بأعباء ما يريد ، وكرر سبحانه للتهويل والتأكيد قوله : يَوْمَئِذٍ أي إذ تقوم يخسرون - هكذا كان الأصل ، ولكنه قال للتعميم والتعليق بالوصف : يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ * أي الداخلون في الباطل العريقون في الاتصاف به ، الذين كانوا لا يرضون بقضائي فيستعجلون فيتوصلون إلى مراداتهم بما لم آمر به ، ولا يزالون يبغون إلى أن يأتي الوقت الذي قدرت وصولهم إليها فيه ، فيصلون ويظنون أنهم وصلوا بسعيهم ، وأنهم لو تركوا لما كان لهم ذلك فيخسرون لأجل سعيهم بما جعلت لهم من الاختيار بمرادي فيهم على خلاف أمري ، خسارة مستمرة التجدد لا انفكاك لهم عنها ويفوز المحقون . [ سورة الجاثية ( 45 ) : الآيات 28 إلى 32 ] وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إِلى كِتابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 28 ) هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 29 ) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ ( 30 ) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَ فَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنْتُمْ قَوْماً مُجْرِمِينَ ( 31 ) وَإِذا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لا رَيْبَ فِيها قُلْتُمْ ما نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلاَّ ظَنًّا وَما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ ( 32 ) ولما كان ذلك من شأن اليوم مهولا ، عم في الهول بقوله مصورا لحاله : وَتَرى أي في ذلك اليوم كُلَّ أُمَّةٍ من الأمم الخاسرة فيها والفائزة جاثِيَةً أي مجتمعة لا